محمد الحميدي
53
جذوة المقتبس في تاريخ علماء الأندلس
وأحسّ البربر بهذا منه ، فاغتالوه في الطريق قبل أن يصل إلى مالقة ، فقتل وهو على دابّته في مضيق صار فيه ، وقد تقدّمه إليه الذي أراد الفتك به ، وفرّ من كان معه من الصّقالبة بأنفسهم . ثم تقدّم فارسان من الذين غدروا به يركضان ، حتّى وردا مالقة ودخلا وهما يقولان : البشرى البشرى ! فلما وصلا إلى السّطيفيّ وضعا سيفيهما « 1 » عليه فقتلاه ، ثم وافى « 2 » العسكر ، فاستخرجوا إدريس بن يحيى من محبسه ، فقدّموه وبايعوه بالخلافة ، وتسمّى بالعالي . فظهرت منه أمور متناقضة ، منها : أنه كان أرحم الناس قلبا ، كثير الصّدقة ، يتصدّق كلّ يوم جمعة بخمس مائة دينار ، وردّ كلّ مطرود عن وطنه إلى أوطانهم ، وردّ عليهم ضياعهم وأملاكهم ، ولم يسمع بغيا في أحد من الرّعية « 3 » ، وكان أديب اللّقاء ، حسن المجلس ، يقول من الشّعر الأبيات الحسان ، ومع هذا ، فكان لا يصحب ولا يقرّب إلّا كلّ ساقط رذل ، ولا يحجب حرمه عنهم ، وكلّ من طلب منه حصنا من حصون بلاده ، ممّن يجاوره من صنهاجة أو بني يفرن ، أعطاهم إياه . وكتب إليه أمير صنهاجة في أن يسلّم إليه وزيره ومدبّر أمره ، وصاحب أبيه وجدّه موسى بن عفّان السّبتيّ ، فلمّا أخبره بأنّ الصّنهاجيّ طلبه منه ، وأنه لا بدّ له من تسليمه إليه ، قال له موسى بن عفان : افْعَلْ ما تُؤْمَرُ سَتَجِدُنِي إِنْ شاءَ اللَّهُ مِنَ الصَّابِرِينَ [ الصافات : 102 ] فبعث به إلى الصّنهاجيّ فقتله . وكان قد اعتقل ابني عمّه محمدا وحسنا ابني إدريس في حصن يعرف بإيرش « 4 » ، فلمّا رأى ثقته الذي في الحصن ، اضطراب آرائه ، خالف عليه ،
--> ( 1 ) في الأصل : « سيوفهما » وما أثبتناه من البغية والمعجب الناقلان نصا من جذوة الحميدي . ( 2 ) هكذا في النسخة الخطية والبغية والمعجب ، وهو الصواب ، لكن الشيخ الطنجي غلّطها ورجح عليها : « وافيا » ، ولم يكن ترجيحا جيدا ، فالذي وافى هو العسكر . ( 3 ) في الأصل : « ولم يسمع نعيا في أحد عن الرعية » ، وهي عبارة غير مستقيمة ، وما أثبتناه من بغية الملتمس والمعجب ، وهما ينقلان منه . ( 4 ) لم نقف عليه .